احسان الامين
349
التفسير بالمأثور وتطوره عند الشيعة الإمامية
ويلاحظ في مناهج المفسّرين الشيعة ، انعكاس أو ظهور تيارات مشابهة لما مرّ بها المجتمع الاسلامي عموما ، وإن كانت أقل حدّة ، فقد ظهرت في الساحة الفكرية الشيعية تيارات متعدّدة ، متشدّدة ومعتدلة في تعاملها مع النص عموما ، ومع الحديث بشكل أخص ، وانعكس ذلك أيضا في مجال التفسير ، لأنه في الأساس تفسير بالمأثور كما علم . على أن مبدأ الأمر كان تشدّد الأئمّة ( ع ) وأصحابهم تجاه مدرسة الرأي الّتي كان اتجاهها يؤدي إلى فتح الأبواب لدخول الآراء في الاسلام في مقابل تعطيل النصوص الشريفة وإخماد الأخبار والآثار ، وهو ما اطلق عليه آنذاك اصطلاحا بالاجتهاد ، لذا نجد روايات مأثورة عن أئمّة أهل البيت ( ع ) تذم الاجتهاد وتريد به ذلك المبدأ الفقهي الّذي يتّخذ من التفكير الشخصي مصدرا من مصادر الحكم ، كما نجد أصحابهم قد صنّفوا الكتب في مواجهة ذلك ، فقد صنّف عبد اللّه الزبيري كتابا أسماه ( الاستفادة في الطعون على الأوائل والردّ على أصحاب الاجتهاد والقياس ) وصنّف هلال المدني كتابا باسم ( الردّ على من ردّ آثار الرسول واعتمد على نتائج العقول ) ، كما صنّف النوبختي القريب من عهدهم كتابا في الردّ على عيسى بن أبان في الاجتهاد ، وقد ذكر تلك الكتب النجاشي في ترجمة كل واحد من هؤلاء « 1 » . واستمرّ الموقف هذا عند علماء الإمامية حتّى أواخر القرن السابع ، إذ انتقل مصطلح الاجتهاد إلى مدرسة أهل البيت ( ع ) ، ولكن بمعنى آخر غير الاجتهاد المذموم عند السابقين ، فقد استخدمه المحقق الحلي في كتاب ( المعارج ) ، مبيّنا أنّ الاجتهاد « في عرف الفقهاء بذل الجهد في استخراج الأحكام الشرعية ، وبهذا الاعتبار يكون استخراج الأحكام من أدلّة الشرع اجتهادا . . . فإذا استثني القياس كنّا من أهل الاجتهاد في تحصيل الأحكام بالطرق النظرية الّتي ليس أحدها القياس » « 2 » .
--> ( 1 ) - المعالم الجديدة للأصول / الصدر / ص 24 . ( 2 ) - م . ن / ص 26 .